طباعة البريد الإلكترونى

الأمير شاكر بن زيد : فارس من زمن الثورة العربية الكبرى

       هزاع البراري                                                                          

 

 

الحجاز قلب العالم العربي قديماً وحديثاً ، فهي طريق تجارة، ومسلك للقبائل المهاجرة، ومركزاً روحياً ودينياً منذ إبراهيم عليه السلام ، وكانت قريش أفصح العرب لساناً وأشدهم بأساً ، ومن سادة قريش بنو هاشم  أهل المصطفى الحاملين راية الأمة من بعده ، فكلما إدلهم الخطب ومر بالأمة ضيق، نهض من أمرائها وأشرافها من قاد الرجال لفجر جديد ، في العصر الحديث ومع ازدياد التنكيل والاستبداد بالعرب، استجاب بنو هاشم للنداء وقادوا ثورة توحيدية لم تكن كأي ثورة ، وكان من أبرز قادتها الميدانيين، ومن عرفت البيداء فروسيتهم ويذكر الأعداء قبل الأصدقاء حسن بلائهم : كان الأمير شاكر بن زيد.

 

ولد الأمير شاكر في مدينة الطائف التاريخية ، وكانت ولادته في نحو العام 1885م ، ويعود بنسبه إلى الأشراف الكبار ، فهو ابن فواز بن ناصر ، ويعتبر من أمراء الحجاز، وله مكانته في الطائف وما حولها ، وقد تعلم كما أبناء الأشراف والأمراء في تلك الحقبة من الزمن ، حيث لا وجود للمدارس النظامية أو غيرها في تلك الأنحاء ، فتعلم تعاليم الدين الإسلامي وأصوله ، كما درس اللغة العربية عن طريق رجال الدين الذين كانوا بمثابة مدرسين معتمدين، وقد عرف ومنذ صغره بالشجاعة والفروسية، حتى أصبح مقاتلاً يهابه الفرسان الكبار ، وقد برز في حروب الصحراء والذود عن أطرافها في فترة مضطربة أمنياً ، حيث كثرت الغزوات والثارات، وقد ذاع صيته في المعارك التي خاضها ، و برز لديه حبه لأمته العربية والغيرة على وحدتها بشكل فطري ، لم تلوثه النظريات والفلسفات ، لذا آمن بدعوة أبناء عمومته بضرورة التحرك لمواجهة ما تمر به الأمة من سوء حال، واستفحال ظلم السلطة العثمانية، التي انحرفت عن نهجها بعد استيلاء جماعة الاتحاد والترقي على مقاليد الحكم في الأستانة، وتنكيلهم بأحرار العرب، ومحاولة تتريك المنطقة العربية ، لذا انصوى تحت لواء الشريف الحسين بن علي رافع لواء الثورة العربية الكبرى .

 

وقد أورد د.محمد  العناقرة وصفاً للأمير شاكر بن زيد مأخوذ عن جريدة فلسطين " بأنه قد كان بائن الطول، ضخم الهيكل في عضل مفتول ، وتناسب الأعضاء، وئيد الخطوة ثابـت القدم ، يروعك مقبلاً أو مدبراً على السواء ، فيه خشونة الصحراء وعمقها ، تجلس إليه وأنت غريب عنه ، مقطوع الأسباب به ، فتدهشك منه طلعة النمر وحكمة أبو الهول، فإذا قدّر لك الزمن أن تفوز منه بالثقة والعطف خفة، فأباح لنفسه أن تنبسط أمامك، يكشف لك ذلك الصامت المهيب عن مرح نفس وخفة روح، دون رقتهما نسمات الاصايل بعد قيظ الرمال ولفحاته اللاذعة، سخي النفس ، سخي الكف ، سخي السيف ، له آثار باقية يحفظها له العرب ويشيد بها كتاب الغرب الذين كتبوا عن الثورة العربية الكبرى".

 

لقد كان صديقاً مقرباً من مؤسس الأردن الأمير عبد الله بن الحسين ، وقد عاضده في أحلك الظروف وأقساها ، وما زالت ساحات  معارك الثورة تشهد له بالشجاعة والإقدام ، ففي العام 1916 م عند اندلاع المواجهات ، تولى الأمير شاكر مساعدة الأمير عبد الله بن الحسين قائد الجيش الشرقي ، وكان ساعده الأيمن ، فقد كانت (العيص) شمال المدينة المنورة تمثل قاعدة هذا الجيش الذي ضم خيّالة وهجانة بالإضافة إلى سرية مدفعية ، في حين كان معظم الجيش من أبناء القبائل والعشائر المتواجدة في المنطقة، منها عشيرة عتيبة ، مطير ، حرب وهتيم . وقد قاد الأمير شاكر بعض العشائر في معركة حامية، تمكنوا خلالها من الانتصار على الحامية التركية، واسر قائدها والاستيلاء على عدد من الأسلحة والذخائر ، وكمية من الذهب على شكل عملة تركية ، وقد استمرت الحملة في زحفها إلى محطة (أبي النعم )  وعطّلت عملها ، ونسفت خطوط سكة الحديد ، وبعد ذلك تمكنت من احتلال مخفرين تركيين ، وتكبيد القوات التركية عدداً كبيراً من القتلى والأسرى.

لقد أسهم في مواجهة هجمات الإخوان "الخوين" التابعة للحركة الوهابية، حيث قادت قواته في شهر آب من عام 1918م إلى شرق "خرما" وقد واجه تجمعاً ضخماً للعشائر التابعة للحركة ، ولم يكن في مقدوره وهو يقود قوة متواضعة من تحقيق النصر المطلوب ، وقد استمر الأمير عبد الله بن الحسين بإمداده بالرجال، و عندما سقطت المدينة المنورة بيد الجيش العربي باستسلام فخري باشا التركي ، بعد ذلك صار بالإمكان مواجهة المخاطر التي شكلتها هجمات الإخوان انطلاقاً من خرما. (د.محمد العناقرة)

كان للأمير شاكر بن زيد دوراً بارزاً في تأسيس إمارة شرق الأردن ، فلقد رافق الأمير عبد الله بن الحسين إلى معان، للبدء في الإعداد لتأسيس الإمارة العربية في شرق الأردن ، وقد قوبلوا بترحاب بالغ في معان ، وفي عمان شكلت أول حكومة موحدة للبلاد برئاسة القومي المعروف رشيد طليع سنة 1921 م ، وقد شارك الأمير شاكر في هذه الحكومة مندوباً عن العشائر برتبة وزير في أيامنا هذه، وتمكن بفضل معرفته الكبيرة بشؤون العشائر من المساهمة في تدعيم الأمن والاستقرار في البادية والحواضر الأردنية ، في وقت سادت فيه الغزوات والمشاحنات ، وبذلك أصبحت هذه العشائر إحدى أهم دعائم الشرعية في البلاد، من خلال اعتماد القانون والنظام في حل الخلافات وتحقيق العدالة الاجتماعية.

كما لم يغب دوره في العاصمة الفتية عمان ، فكان صمام الأمان والحارس على أمنها ، واحتفظ بمنصبه في عهد حكومة مظهر أرسلان وكذلك في حكومة رضا الركابي ومن تلاه ، وعندما سافر الأمير عبد الله بن الحسين إلى بريطانيا، للتفاوض بشأن مستقبل الإمارة، قام بتعيين الأمير شاكر نائباً له طيلة فترة غيابه والتي لم تكن بالقصيرة ، فكان محل الثقة ، فوطّد الأمن في الإمارة ورعى مصالح الناس ، ولم تغفل عينه عن صغيرة أو كبيرة وقام بالمهمة خير قيام ، وأدى الأمانة كما ينبغي أن تؤدى ، فلقد نذر نفسه للوطن وللأمة وللقيادة التي أحب وانتمى ، وكثيراً ما جال في خاطره الشعر النبطي ، وله أشعار مازال يتردد صداها في البادية حتى يومنا هذا.

في العام 1934 م قام الأمير شاكر بن زيد بزيارة لمنطقة الكرك، كعادته حيث يتجول في أرجاء الوطن ، لكن عارضاً صحياً ألمّ به أثناء عودته إلى عمان ، وكان الألم يمزق صدره ، وعندما علم بأمره الأمير عبد الله بن الحسين ، أسرع لزيارته ومعه طبيبه الخاص ، لكنه فارق الحياة مساء ذلك اليوم الثامن من كانون الأول 1934م ، وقد شيعته البلاد ممثلة بوجهائها ورجالاتها في اليوم التالي ، حيث حمل نعشه من منزله في جبل عمان إلى مثواه الأخير ، كان رحمه الله فارساً مقداماً وإنساناَ رقيقاً شاعراً ، وسيبقى رمزاً تعلو هامته مع توالي الأيام.

عنوان البريد الإلكترونى هذا محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تفعيل الجافا لتتمكن من رؤيته

 

Add your comment

Your name:
Your email:
العنوان:
Comment (you may use HTML tags here):
buy tramadol online
xml:lang= xml:lang=